الباب الرابع – زراعة وتجارة الحمضيات

فحص البرتقال قبل تصديره

كان خالي زهدي أبوالجبين من كبار تجار الحمضيات في فلسطين وقد أسس في الثلاثينيات شركة يافية-انجليزية لتسويق برتقال يافا الشهير في بلاد الانجليز.

وبمناسبة الحديث عن تصدير برتقال يافا إلى الموانئ الانجليزية أذكر أن أخي الكبير في الثلاثينيات عينه مدير الزراعة في يافا – وهو صديق عائلتنا واسمه على العفيفي – لفحص البرتقال قبل تصديره، إذ لم يكن يسمح بتصدير أي صندوق برتقال إلا بعد الفحص والذي كان يتم في دائرة الزراعة بيافا في مكتبها الكائن في حي البطمة في أواسط يافا وكان الفحص يتم على عينة من كل سيارة محملة بصناديق البرتقال المعدة للتصدير وكنت في طفولتي أرقب أخي أنور وهو يؤشر بالطباشير على أحد الصناديق من كل سيارة محملة بالبرتقال وبعدها يبدأ موظفو دائرة الزراعة بفحص برتقال ذلك الصندوق فإذا وجدوه خاليا من العطب والأمراض والحشرات الزراعية سمحوا بمرور كل ما في السيارة من صناديق إلى ميناء يافا لتصديرها للخارج.

تخزين وشحن البرتقال

والمعروف أن صناديق البرتقال كانت تخزن في مخازن على رصيف الميناء ثم تنقل بالمراكب الشراعية “الجرومة” (الجرومة جمع جرم) إلى البواخر التي كانت تقف بعيدة في البحر بسبب طبيعة ميناء يافا.

قطف البرتقال واعداده للشحن

وأرى من المناسب أن أعطي القارئ فكرة عن عملية قطف وتصدير البرتقال فأقول “مدينة يافا كانت فيما مضى محاطة ببيارات البرتقال (بيارات: جمع بيارة وهي اسم لبستان البرتقال) حيث عمت البيارات مختلف أنحاء فلسطين باستثناء المناطق الجبلية وكان صاحب كل بيارة يتولى رعايتها وفي الصيف “يضمنها” لأحد تجار البرتقال لقاء ثمن معين بمعنى أن التاجر كان ابتداءا من شهر تشرين أول -أكتوبر- يرسل عماله لقطف برتقال البيارة وتعبئته في صناديق خشبية واعداده للتصدير. لهذا كنت ترى في البيارة عاملا يقطف البرتقال من الشجرة وعاملا آخر يضع البرتقال المقطوف في السلال وعامل ثالث ينقل سلال البرتقال المقطوف إلى “المشغل” الكائن في مدخل البيارة. وفي المشغل كان “النقيض” يصنف البرتقال حسب الحجم ويفرز البرتقال غير الصالح للتصدير ثم “الاستيفادور” وهو الذي يرتب البرتقال في الصناديق بعد أن يكون اللفيف قد لف ثمرة البرتقال بورقة ناعمة مطبوع عليها عادة “الماركة” حيث كان لكل تاجر ماركة أو علامة تجارية أو أكثر يعرف بها. وبعد صف البرتقال في الصندوق يأتي دور النجار الذي كان قد أعد الصندوق أصلا من قطع الخشب ذات المقاسات المحددة 68 سنتيمتر أو 72 أو 74 حسب حجم حبة البرتقال التي ستوضع في كل صندوق. ومن أجل حماية الصندوق أثناء التصدير كان النجار يلف حول كل صندوق طوقا من خشب خاص لين ثم يقفل الصندوق بالمسامير ويحمله عامل مختص إلى السيارة التي تنقل الصناديق إلى الميناء للتصدير بعد مرورها على الفحص كما سبق أن ذكرنا.

العناصر المشاركة في زراعة وتجارة الحمضيات

والعمليات التي أشرت إليها هي العمليات الرئيسية غير أن هناك عمليات ثانوية أخرى وعمال آخرين ذوي أسماء فنية محددة كانوا يشاركون في اعداد البرتقال للتصدير. والمعروف أن القسم الأكبر من سكان مدينة يافا كانوا يعتمدون في معيشتهم على هذه الثمرة الذهبية المباركة. فمنهم صاحب البيارة وعمال البرتقال من مختلف المهن والمزارع والكومسيونجي والتاجر والمخمن والنجار وتاجر بيع الخشب والورق اللازم لعملية التصدير بالإضافة إلى أصحاب السيارات والسائقين والميكانيكيين وموظفي المخازن في الميناء وعمالهم والبحارة وعمالهم الذين ينقلون صناديق البرتقال من الميناء للبواخر وكذلك أصحاب المطابع التي تطبع اسم التاجر أو علامته التجارية على ورق لف البرتقال وعلى خشب صناديق البرتقال وعمالهم الفنيين. وكان أخوالي أصحاب شركة “أبو الجبين أخوان” يملكون واحدة من تلك المطابع وكنت أرقب تلك العملية عندما أذهب “للمطبعة” في عطلة المدارس كما كنت أشاهد عملية قطف البرتقال واعداده للتصدير في البيارة في العطلة أيضا وكانت بعض الأسر اليافية تسمى تجار البرتقال وكانت عائلتنا واحدة منها. وهناك مهن أخرى عديدة مرتبطة بالبرتقال في يافا لا يمكنني تذكرها الآن..! ويمكن القول أن كل أهل يافا كانوا مرتبطين بالبرتقال بوسيلة أو بأخرى..

الأنواع المختلفة من البرتقال

هذا وكنا في فلسطين ننعم بأكل الأنواع الطازجة المختلفة من الحمضيات وهي البرتقال العادي اليافاوي والبرتقال الشموطي وأبو صرة والفالنسيا وبرتقال دم الزغلول والكباد والبوملي والجريب فروت والكلمنتينا والمندلينا ويوسف أفندي والليمون الحلو والليمون الحامض والخشخاش والبرتقال الصفير والذي كان يؤكل مع قشره وذلك بالإضافة إلى البرتقال الحلو والذي كنا نسميه السكري أو الفرنساوي كما كان يطلق عليه في الخارج أحيانا لفظ البرتقال “المغربي”.

المراحل التي تسبق عملية التصدير

وكان موسم البرتقال يبدأ عادة من الشهر العاشر من السنة الميلادية ويمتد حتى شهر نيسان (ابريل) وهو الشهر الذي كان يتم فيه تصدير البرتقال “الفالنسيا”. وحبة “الفالنسيا” قشرتها سميكة لهذا تبقى الثمرة صالحة للأكل حتى فصل الصيف. ويذكر أنه في شهر آذار أو نيسان يكون زهر البرتقال قد غطى الأشجار وأصبحت بيارات البرتقال تفوح منها رائحة الزهر الزكية. ويذكر أن غليوم مستشار المانيا قال في مذكراته “أن أسعد ليلة نامها في حياته هي تلك الليلة من شهر نيسان حيث نام في مدينة يافا وكان فيها النسيم معطراً برائحة زهر البرتقال الزكية”.

وبعد شهر نيسان من كل عام يبدأ المزارع بالعناية بأرض البيارة وسقيها وتشذيب شجرة البرتقال وما إلى ذلك .. إلى أن تنضج الثمرة وكان تاجر البرتقال عادة يملك بيارة أو أكثر كما كان “يتضمن” بيارات أخرى يقوم بتصدير برتقالها لحسابه أو بواسطة ” كومسيونجي” يتولى اقراضه المال اللازم لحين بيع البرتقال في بلاد الانجليز عبر ميناء لندن أو ليفربول أو هل. كما كان “الجريب فروت” يصدر في الغالب إلى المانيا. ويذكر أنه في الثلاثينيات كانت المانيا ترسل للتاجر في يافا “سيارة شحن” مقابل كل 500 صندوق من الجريب فروت.

أسماء بعض تجار البرتقال

ومن تجار البرتقال المشهورين الذين كنت أسمع عنهم في يافا: الديب حمدان وعبد المحسن حجازي وحمدان مرسي وزكي بركات وأخوانه والشيخ محمد شعبان وأبو أمين الحوت وأحمد الحسني والحاج حسن القطان والحاج ابراهيم البنا والحاج خليل البنا ومحمد عبد الرحيم والحاج خالد سنجق والقدسي وابراهيم يونس وزهدي حجاج وأخوه السيد وسعيد بيدس وأخوه يوسف وخالد سكجها وزهدي أبو الجبين وكان هاشم أبو خضرا يعتبر في أوائل الثلاثينيات من كبار تجار البرتقال في يافا. وكان زهدي أبو الجبين وسعيد بيدس عضوين في مجلس مراقبة الحمضيات. وكان تجار البرتقال في يافا يتجمعون في قهوة داود والقهوة الوطنية (الصفدي) الكائنتين في سوق الصلاحي.

ومن تجار الورق والخشب والمسامير والأطواق اللازمة لصناديق البرتقال كان كل من عازر وأبو الجبين أخوان وعبد النور.

ومن أصحاب مطابع ورق وخشب البرتقال شركة الطباعة اليافية وكانت تملكها عائلة الملك اليافية وشركة أبو الجبين أخوان.

وعرف في فلسطين أن الحاج نمر النابلسي من نابلس كان يملك أكبر بيارة برتقال ومساحتها ألف دونم.

كما أذكر أن ملك السويد زار يافا (عندما كان وليا للعهد)، وقد التقيت به شخصيا حيث كان ضيفا في قصر خالي زهدي أبو الجبين في يافا في عام

التقطت الصورة عام 1935 عندما نزل ولي عهد مملكة السويد ( يرتدي قبعة وسط السطر الأول) ) ضيفاً في قصر زهدي أبو الجبين الكائن في ضاحية قرب مدينة يافا – قرية بيت دجن – ويظهر في الصورة أخوالي زهدي ورشاد في استقبال ولي العهد (على يساره)!

1935.

التقطت الصورة عام 1935 عندما نزل ولي عهد مملكة السويد ( يرتدي قبعة وسط السطر الأول) ) ضيفاً في قصر زهدي أبو الجبين الكائن في ضاحية قرب مدينة يافا – قرية بيت دجن – ويظهر في الصورة أخوالي زهدي ورشاد في استقبال ولي العهد (على يساره)!

أسماء بعض البحارة

ومن بحارة يافا الذين كانوا يتولون نقل صناديق البرتقال من رصيف الميناء إلى البواخر داخل البحر عرفت كلا من: المدهون وجهير واليسير والكاشف وأبو شليح والمنسي والجربي وغيرهم كما قرأت أن هيكل وأبو لغد كانا أيضا من البحارة القدامى في يافا.

استخدامات البرتقال وأسعاره

وعن سعر صندوق البرتقال في بلاد الانجليز أذكر أن الصندوق في الثلاثينيات كان حسب العرض والطلب يباع بسعر 12 شلن – 20 شلن انجليزي (جنيه استرليني) أو أكثر. وقد بلغ أكبر عدد من صناديق البرتقال صدرته فلسطين إلى بلاد الانجليز في السنة في فترة الانتداب 22 مليون صندوق. والمعروف أن ثمرة البرتقال كانت تستخدم للأكل والطبخ واستخراج العصائر المختلفة وفي عمل الحلوى والفاكهة المجففة وغير ذلك. وكان قشرها يستخدم لأغراض عدة منها عمل العطور، وهناك استخدامات للب البرتقال وخصوصا البرتقالة سميكة اللب كالكباد. كما أن زهر البرتقال كان يصنع منه عطر رائع 

الباب الخامس – المواسم الشعبية في فلسطين

One thought on “الباب الرابع – زراعة وتجارة الحمضيات”

  1. عندي سوال
    خالك كان زهدي ابو جبين
    اين انتم الان ؟ هل انتم عايشن في يافا
    انا حابة اتعرف على عائلة الاستاذ زهدي ابوجبين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *