الباب السادس – بدء النشاط العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية

عقد المجلس الوطني الفلسطيني الثالث في غزة

وبعد أن عقدنا لقاءا جماهيريا في مكتب المنظمة بالكويت بمناسبة ذكرى النكبة عام 66، أعددنا التقارير المناسبة عن أعمال المكتب وأرسلناها للجنة التنفيذية لتضمينها في التقرير العام الذي سيرفع إلى المجلس الوطني الثالث الذي تقرر أن يعقد في غزة في شهر أيار كالمعتاد. ثم توجهت مع زملائي أعضاء المجلس الوطني المقيمين في الكويت إلى القاهرة ومنها بالسيارة إلى غزة. وأذكر أنه رافقني في رحلتي تلك إلى غزة و د. وديع حداد أحد قادة حركة القوميين العرب، وتناقشنا في طريقنا إلى غزة في مسائل فلسطينية مختلفة ومنها موقف حركة القوميين العرب من منظمة التحرير الفلسطينية، إذ يبدو أن الحركة عادت وشاركت في أنشطة المنظمة!! وأصبح لها ممثلون بارزون في الاتحادات الشعبية المختلفة والتي أضحت قواعد منظمة التحرير الفلسطينية. وأذكر بهذه المناسبة أن الاتحاد العام لعمال فلسطين والاتحاد العام لطلبة فلسطين أعلنا في مؤتمريها العامين اللذين عقدا في القاهرة عام 1965 واللذين افتتحهما أحمد الشقيري أعلنا أنهما قاعدتان من قواعد منظمة التحرير الفلسطينية كما أعلن ذلك أيضا الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية الذي عقد في القدس آنذاك وافتتحه الشقيري أيضا …

وعندما دخلنا غزة وجدناها شعلة من الحماس والتأييد للمنظمة ولاحظنا أن وفودا كثيرة حضرت من مختلف الأقطار العربية لحضور جلسات المجلس الوطني، ولاحظت حضور وفد كبير من الأردن لهذا الغرض (كان من أعضائه الشاعر سيف الدين الكيلاني) رغم أن العلاقات كانت متوترة آنذاك بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية. وأذكر أنني لاحظت حضور عدد كبير من الأشخاص الذين لم يكونوا أعضاء في المجلسين الوطنيين الماضيين وعلمت أن الشقيري دعا الكثيرين لحضور المجلس الوطني بصفة أعضاء “مراقبين” وكان معظمهم من مصر والقطاع.

وافتتح المجلس الحاكم العام لقطاع غزة نيابة عن الرئيس جمال عبد الناصر. وقد غصت مدرسة فلسطين حيث عقد المجلس بالحاضرين من الأعضاء والأعضاء المراقبين كما كانت الساحات المجاورة للمدرسة تعج بالآلاف الذين حضروا لسماع خطاب أحمد الشقيري رئيس منظمة التحرير!!

وأذكر أنه جرى في الجلسة الأولى نقاش حاد حول جمع الشقيري بين رئاسة اللجنة التنفيذية ورئاسة المجلس الوطني … وانتهي النقاش كما انتهى في السنة الماضية بتثبيت الشقيري رئيسا للمجلس وللجنة التنفيذية.

خطاب الشقيري في المجلس الوطني الثالث

وبدأ الشقيري خطابه بالحديث عن انجازات المنظمة وأشار بهذا الصدد إلى انتظام عمل الصندوق القومي ومركز الأبحاث وانتظام عمل مكاتب المنظمة في الأقطار المختلفة وبدء التنظيم الشعبي لمنظمة التحرير وإعلان الاتحادات الشعبية المختلفة التي تم انتخابها أنها من قواعد منظمة التحرير الفلسطينية!!

ثم تحدث الشقيري عن رحلة وفد المنظمة إلى الصين (ولم يكن قد تحدث عن هذا الموضوع في اجتماع المجلس الوطني الثاني مجاملة منه للرئيس عبد الناصر)، وبين الشقيري أن تلك الرحلة كانت ناجحة من كافة الوجوه إذ اعترفت الصين الشعبية بالمنظمة ووعدت بتأييدها ومساعدتها كما وافقت على فتح مكتب للمنظمة في بكين. والأهم من ذلك كله أنها أرسلت للمنظمة شحنة كبيرة من الأسلحة. وكانت تلك الشحنة سبب الخلاف الذي حصل في السنة المنصرمة بين المنظمة ومصر.

وبعد ذلك فاجأ الشقيري أعضاء المجلس بأن طلب منهم الموافقة على استبدال جيش التحرير الفلسطيني “بالكتائب الفلسطينية” التي اشار إليها الميثاق .. وقد صفق الحاضرون طويلا معلنين موافقتهم على حذف عبارة “الكتائب الفلسطينية” أينما وجدت في الميثاق والنظام الأساسي. بعد ذلك تحدث الشقيري عن الانتخابات وأعلن أن المجلس الوطني المقبل سيكون أعضاؤه منتخبين من الشعب الفلسطيني بإذن الله وقال: “منعا للاحراج سأكون أنا المرشح الوحيد عن أراضينا المحتلة!!

أحمد الشقيري رئيس منظمة التحرير الفلسطينية يخطب في غزة ويظهر إلى يمينه اللواء وجيه المدني القائد العام لجيش التحرير الفلسطيني - غزة - 1966
أحمد الشقيري رئيس منظمة التحرير الفلسطينية يخطب في غزة ويظهر إلى يمينه اللواء وجيه المدني القائد العام لجيش التحرير الفلسطيني – غزة – 1966

وبعد انتهاء الجلسة الأولى توجهت مع أعضاء المجلس إلى حيث شاهدنا تدريبا عسكريا لمئات الشباب الفلسطيني من كوادر جيش التحرير الفلسطيني والذي كان قد أنشئ يوم 10/9/1964 اثر اجتماع مؤتمر القمة العربي الثاني والذي عقد في الاسكندرية آنذاك.

الاعداد لانتخابات الفلسطينيين في الكويت

وبعد انتهاء أعمال المجلس الوطني الثالث في غزة في آخر شهر أيار (مايو) 1966 عدت مع زملائي أعضاء المجلس إلى الكويت عن طريق القاهرة. وبعد وصولي عدت إلى الاهتمام بأعمال المكتب المعتادة. وبعد اجازة الصيف بدأت بالإسعداد لإجراء انتخابات عامة للفلسطينيين في الكويت تنفيذا لقرار المجلس الوطني الثالث بأن يكون أعضاء المجلس الرابع المقرر عقده عام 1967 كلهم منتخبين!

وقد وضعت تصورا لعملية الانتخاب معتمدا على إحصائيات توفرت عن أعداد الفلسطينيين بعد إجراء الإحصاء الرسمي الذي جرى في الكويت في أواسط عام 1965. وقد تمكنت من وضع مشروع متكامل معتمدا على تجربتي السابقة في الانتخابات التي جرت عام 64 لاختيار ممثلي الشعب الفلسطيني في الكويت لإبراز الكيان الفلسطيني. وراعيت في المشروع – والذي تدارسته مع “لجنة الانتخابات” التي ألفتها من عدد من كوادر المنظمة – أن نجري الانتخابات قبل عقد المجلس الوطني المقبل.

وبدأت الصحف الكويتية تكتب عن مشروع الانتخابات الذي كان لازال قيد الإعداد وظهرت اعتراضات عليه تمثلت في ما كتبته جريدة الرأي العام الكويتية “بأننا نتصرف وكأن الكويت قطعة من فلسطين”. لأن مشروعنا كان ينص على تقسيم الكويت إلى عدة مناطق انتخابية فلسطينية مع فتح مراكز قيد الناخبين ثم المرشحين وما إلى ذلك!!

وبعد إتمام دراسة المشروع توجهت إلى وزارة الخارجية الكويتية لأخذ الموافقة الرسمية الحكومية قبل الشروع في إعداد الخطوات اللازمة لتنفيذ المشروع ومن بينها إعداد وطبع الجداول الانتخابية والبطاقات الانتخابية. وفـي الخارجية اصطدمت مـع وكيـل الوزارة عبد الرحمن العتيقي والـذي كانـت له تحفظات كثيـرة سببها الحقيقي التخوف مـن النشاط الفلسطيني في الكويت … وقد حصل نقاش حاد بيني وبين العتيقي حول المشروع وقد غضبت أثناء النقاش أشد الغضب. وأذكر أنه كان يهدئ من روعي في تلك الأثناء الأخ “الحمود” وهو شاب فلسطيني كان يعمل سكرتيرا لوكيل الخارجية.!

وبعد كبير عناء وافق العتيقي على المشروع المقدم له وأصبح بإمكاننا السير في الخطوات التنفيذية للانتخابات. بعد ذلك كنا على وشك الإعلان عن فتح باب القيد في الجداول الإنتخابية، وللأسف لم نتمكن من الاستمرار في عملنا حيث بدأت تظهر بوادر أزمة سياسية حادة وتحركات عسكرية في الساحة العربية فتوقفنا عن العمل قبل وقوع النكسة!!

هذا ولا أذكر الآن ما إذا كانت مكاتب المنظمة الأخرى في البلدان العربية قد قامت بترتيبات مماثلة لما قمنا به في الكويت أم لا؟؟ إلا أنني أجزم أن معطيات كثيرة وحساسيات مختلفة حالت دون التفكير في تنفيذ مشروع الانتخابات بين فلسطينيي الأردن من أبناء الضفة الشرقية والضفة الغربية. وحصل آنذاك خلاف شديد لهذا السبب ولغيره بين السلطات الأردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية ولم ينته الخلاف إلا عشية نكسة حزيران عام 67 عندما قام الرئيس جمال عبد الناصر بمصالحة الشقيري رئيس منظمة التحرير مع جلالة الملك حسين ملك الأردن في القاهرة كما سأبين فيما بعد!!

من أنشطة مكتب المنظمة في الكويت في عام 66

وأذكر أنني في صيف عام 66 سافرت مع أسرتي في رحلة علاجية إلى العاصمة البريطانية وعلمت هناك أنه تم في ذلك الصيف إبعاد عدد من نشطاء حركة القوميين العرب عن الكويت … هذا والمعروف أن جورج حبش الأمين العام لحركة القوميين العرب قام في العام التالي بإنشاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتالفت الجبهة آنذاك من العناصر الفلسطينية النشطة في حركة القوميين العرب.

ويذكر أن بعض القوميين العرب انتقدوا جورج حبش في اتخاذه هذه الخطوة بسحب العناصر الفلسطينية من حركة القوميين العرب مما سبب في إضعاف تلك الحركة، كما انتقدوا جورج حبش أيضا لأنه لم يتعاون مع الشقيري عند ابراز الكيان الفلسطيني وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وقالوا لو تعاون جورج حبش مع الشقيري آنذاك لكانت حركة القوميين العرب هي الفصيل الرئيسي في منظمة التحرير ولأمكنها عندئذ غرس الأفكار القومية فيها والسيطرة عليها.!؟

وفيما يختص بنشاط المكتب عام 66، أذكر أن الحكومة العراقية منحتنا في ذلك العام عشر منح دراسية للدراسة في الكلية الحربية ببغداد وقد قمت بترتيب ذلك خلال لقاء لي مع سفير العراق آنذاك الحاج النعمان.

ومن أجل اختيار عشرة فلسطينيين للسفر للدراسة ببغداد شكلنا في مكتب المنظمة لجنة اختيار وكان من بينها الضابط شكري أبو غربية وهو ضابط في جيش التحرير الفلسطيني. وقد قمنا باجراء اختبارات معينة للمتقدمين. وأثناء التدقيق في السيرة الشخصية لهم تبين لنا أن عددا منهم له علاقات مشبوهة ببعض السفارات الأجنبية في الكويت لهذا لم نرشح أيا من هؤلاء لنيل البعثة!! والمؤسف أن أذكر هنا أن من رفضناهم أصبحوا فيما بعد أعضاء في حركة فتح!؟ وفي رأيي أن هذا لا يجوز..!؟

وفي عام 66 أيضا عقد مؤتمر القمة العربي الثالث في الدار البيضاء وكان الخلاف على أشده بين المنظمة والأردن آنذاك .. وأذكر أن الشقيري خرج متشائما جدا نتيجة للجو المحبط الذي ساد ذلك المؤتمر فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ومنظمة التحرير!!

الباب السابع – النكسة وما رافقها من أحداث