الباب السادس – تركي مهنة التدريس إلى عمل إداري

تأسيس ادارة الكهرباء العامة

مع بزوغ النهضة الحديثة وبداية تأسيس الدوائر الحكومية في الكويت، تأسست ادارة الكهرباء العامة في أواخر عام 1951 وقد تولى الشيخ جابر العلي السالم رئاستها منذ البداية.

وكانت “شركة الكهرباء الأهلية” والتي يملكها عبد الله الملا قد تأسست في الكويت في أواسط الأربعينات وكانت تملك موتورا لتوليد الكهرباء يشتغل بالديزل. وكانت الشركة توزع التيار الكهربائي المنتج على عدد محدود من مساكن المدينة بخطوط كهربائية قليلة. وبعد تأسيس ادارة الكهرباء ضمت إليها الشركة الأهلية القديمة بأجهزتها وموظفيها وكان من أقدم موظفي تلك الشركة والذين انتقلوا معها إلى ادارة الكهرباء العامة كل من سالم البشر الرومي مسؤول التحصيل وفهد المضيان أمين المخازن والصديق محمد الحناوي وهو من مدينة يافا بفلسطين وكان قد استقر في الكويت بعد النكبة وعمل منذ عام 1950 محاسبا في شركة الكهرباء الأهلية ثم تدرج في مناصب ادارة الكهرباء العامة حتى أصبح الوكيل المساعد للشؤون المالية والادارية فيها كما انتقل إلى الدائرة الجديدة عدد من الفنيين الهنود ومهندسان بريطانيان.

انتقالي للعمل في دائرة الكهرباء

 الشيخ جابر العلي رئيس دائرة الكهرباء
الشيخ جابر العلي رئيس دائرة الكهرباء

وفي شهر آذار – مارس – من عام 1958 عرض علي الصديق عبد المحسن القطان الانتقال من ادارة المعارف للعمل معه في ادارة الكهرباء العامة. وكان الشيخ جابر العلي رئيس ادارة الكهرباء قد تعاقد مع القطان عام 52 للعمل في تلك الدائرة بعد أن كان سمع عن كفاءته ونشاطه أثناء عمله مدرسا للقسم التجاري في المدرسة المباركية في السنة السابقة … وبعد أن عمل بضع سنوات مساعدا لمدير الكهرباء الحاج مساعد البدر أسند الشيخ جابر لعبد المحسن القطان مهمة اعادة تنظيم تلك الادارة لتتمكن من مواجهة حاجة البلاد المتزايدة للتيار الكهربائي نظرا لبدء التوسع العمراني فيها.

ونظرا لأني كنت قد بدأت أتعب من مهنة التدريس المرهقة وبسبب الإغراء المادي فقد وافقت على الانتقال إلى ادارة الكهرباء وتسلمـت عملي فيها اعتبارا من أول نيسان – ابريل – عام 1958 وعينت بالدرجة الرابعة بينما كنت في المعارف بالدرجة الخامسة! ولأن القطان كان يعرف عن نشاطي وقدراتي فقد أسند إلى وظيفة “المراقب الاداري” ضمن التنظيم الذي وضعه للاشراف على الأعمال الرئيسية في ادارة الكهرباء والاهتمام بمشاريع تلك الادارة … وقد منح الشيخ جابر العلي للقطان صلاحيات واسعة وسمي “المراقب العام” وتفرغ لمشروع إنشاء محطة الكهرباء “ج” والتي أشرف على بنائها لأول مرة مهندسون استشاريون عرب هم شركة دار الهندسة اللبنانية. كما أوكل القطان إلي مراقبة جميع الأمور الادارية في الادارة وأوكل إلى زميلي المراقب المالي مراقبة الشؤون المالية بينما عهد إلى مراقب العقود مساعدته في المشاريع الانشائية. وقد شغل هذين المركزين على التوالي الزميلان صلاح النمري ومحمد الدجانـي ثم موسى حمو. وبقيت أجهزة الادارة الأخرى تـؤدي عملها المعتـاد. وأذكـر أن زيد الفهد الزيد كان رئيسا لقسم شـؤون الموظفين كما كان عبد الرحمن الحوت وفوزي بيدس مسؤولين عن الشؤون المالية. وكان هناك شخص هندي اسمه مورتي مسؤولا عن مراقبة المشتريات والتوريدات وكان يساعده عبد الله حماد والذي تولى فيما بعد مسؤولية تلك المراقبة.

تحديث نظام التحصيل

ومن أهم الأعمال التي قمت بها في ادارة الكهرباء إنشاء مكاتب للتحصيل يتم فيها تحصيل ثمن استهلاك التيار الكهربائي من المستهلكين بدلا من أن يتوجه محصل الادارة إلى المستهلك ليستوفي منه ثمن التيار الكهربائي. وقصة ذلك أنني لاحظت في السنتين الأوليين من عملي أن ادارة الكهرباء تعين محصلين بأعداد كبيرة تتزايد شهرا بعد شهر وذلك لازدياد عدد “الشقق” في العمارات الجديدة بسبب التوسع العمراني في البلاد. إذ كان كل محصل مسؤولا عن التحصيل من 300 مستهلك كل شهر فقط وهذا يعني أنه كلما بنيت خمسة عشر عمارة أو عشرين كان على ادارة الكهرباء أن تعين محصلا جديدا … وهذا غير معقول! فقدمت تقريرا جريئا أوضحت فيه هذه المشكلة واقترحت حلا لها أن ننشئ مكتب تحصيل في كل منطقة سكنية بحيث يذهب المستهلك إلى المكتب لتسديد فاتورة الكهرباء .. ثم الماء بدلا من أن يذهب المحصل إليه وبينت أننا بذلك نقلل من تعيين المحصلين الجدد بل لا يعين أي محصل في السنوات الأولى لأننا سنستفيد من محصلينا الحاليين ونعين بعضهم في مكاتب التحصيل الجديدة بينما تعين الآخرين في وظائف كتابية بعد تدريبهم عليها … وذلك حتى لا ننهي عمل “نفنش” أي محصل كويتي!!

ورغم المعارضة الشديدة “التقليدية” لاقتراحي هذا فقد وافق عليه المراقب العام ثم وافق عليه رئيس الادارة الشيخ جابر العلي … وأصبح هذا الترتيب معمولا به حتى الآن وذلك وفر الكثير على الوزارة!!

ومن الأعمال الأخرى التي كنت أقوم بها في الوزارة مراجعة كل الرسائل الصادرة عنها ومراقبة دوام الموظفين وزيارة المكاتب الخارجية التي أنشئت في الأحياء والقرى المختلفة من أجل حل مشاكلها وإيجاد صلة مستمرة بينها وبين أجهزة الادارة المركزية ضمانا لحسن سير عملها كما كنت أقوم بمراقبة التعيينات وشؤون الموظفين واعداد ميزانية الباب الأول هذا فضلا عن مختلف أعمال المراقبة الادارية الأخرى.

وكان عملي متعبا للغاية مما استدعى أن أنقل يوما إلى المستشفى من شدة الإرهاق!!

انتاج الكهرباء وتقطير المياه

هذا وكانت الادارة مسؤولة في الكويت عن الكهرباء والماء والغاز وكانت دائرة الأشغال العامة حتى عام 1959 مسؤولة عن المياة الصليبية والغاز وكانت قد أقامت شبكة من خطوط الغاز للاستهلاكات المنزلية في الشويخ وغيرها. بينما كانت ادارة الكهرباء مسؤولة عن انتاج المياه المقطرة فقط. وفي ذلك العام رؤي أن تصبح ادارة الكهرباء مسؤولة عن انتاج وتوزيع المياه الحلوة والمياه الصليبية والاستفادة من الغاز المنتج من حقول النفط في تشغيل محطات التوليد الكهربائية وتقطير المياه. وقد أنشأت “وزارة الكهرباء” عدداً من المحطات لتقطير المياه إلى جانب محطات انتاج الطاقة الكهربائية. وكانت الشركات الانجليزية هي الشركات التي تزود الكويت بتلك المحطات ولكن شركات فرنسية ويابانية والمانية دخلت منافسة للشركات الانجليزية فيما بعد.

وبالنسبة للمياه قليلة الملوحة فإن حقل الصليبية كان قد اكتشف منذ الأربعينات وتم في بداية الستينات اكتشاف حقل الروضتين في شمال البلاد ونقلت مياهه الحلوة إلى الكويت لتخلط مع مياه محطات التقطير. واحتفلت وزارة الكهرباء والماء بافتتاح هذا الحقل في شهر سبتمبر عام 1962 في “يوم الماء”. كما ازدادت كميات المياه قليلة الملوحة باكتشاف حقل “الشقايا” فيما بعد. هذا ويبلغ سعر كيلوواط الكهرباء في الكويت حاليا 2 فلس فقط وهذا أرخص سعر في العالم لأن الحكومة الكويتية تقدم الدعم اللازم للكهرباء والماء والتي يبلغ سعر الالف جالون منه للمستهلكين أقل من دينار كويتي.

الجهاز الفني في دائرة الكهرباء

وعن الجهاز الفني في ادارة الكهرباء أذكر أنه عند تعييني فيها في عام 1958 كان رئيس مهندسيها انجليزيا اسمه المستر اديسون وكان هناك ثلاثة مهندسين انجليز في الأقسام الفنية الرئيسية وهي التوزيع والصيانة والشبكة الكهربائية. وقد حل مهندسون عرب مكان المهندسين الانجليز في السنوات التالية. وكان مساعد رئيس المهندسين هو الدكتور علي الساعي وهو مصري الجنسية. وكان رئيس قسم التوزيع هو الدكتور زكي أبو عيد والذي منح الجنسية الكويتية لكفاءته وأصبح فيما بعد رئيسا للمهندسين. ومن رؤساء أقسام الكهرباء في تلك الدائرة والتي أصبح اسمها وزارة الكهرباء والماء أذكر من الفلسطينيين والأردنيين عباس حمدان ومنير فريج وحسام الأفغاني وعبد الله هاشم وجورج قمر وصبحي شعث وادوارد قبعين بينما كان هناك مهندسان مصريان هما محمد علي محمود وأحمد شهاب الدين ثم كان هناك مهندس عراقي للتبريد اسمه نزار بركات أما المهندسون البريطانيون الذين استمروا في العمل في الكهرباء حتى الستينات فمنهم المهندس “بانيل” ناظر المحطات و”مكينزي” رئيس قسم الآلات ومساعده ستيورات. ولم يكن في تلك الادارة في الخمسينات من المهندسين الكويتيين سوى حبيب يعقوب شماس واعتبارا من الستينات بدأ الخريجون الكويتيون يشغلون مراكز رئيسية في الوزارة وكان من أوائلهم المهندس عبد الكريم فهد المضيان الذي أصبح مساعدا لرئيس المهندسين لشؤون المحطات ومحمد السيد عبد المحسن الرفاعي والذي اصبح مساعد رئيس المهندسين لشؤون الشبكة الكهربائية. وبعد توسيع قسم المياه والغاز أصبح مسؤولا عن انتاج المياه قليلة الملوحة من آبار الصليبية والشقايا وانتاج المياه العذبة من حقل الروضتين بالإضافة إلى مسؤوليته عن توزيع المياه المنتجة من تلك الحقول وتلك المنتجة من محطات التقطير وذلك عبر شبكات أنابيب المياه المنتشرة في أنحاء البلاد. وكان من مهندسي المياه والغاز الأوائل هاشم دهمش وغازي هاشم ثم عين الدكتور عبد الفتاح الفاخوري رئيسا لمهندسي المياه والغاز وخالد الصادق للمشاريع وهم جميعا من المهندسين الفلسطينيين. وفي وقت لاحق عين المهندس الكويتي الشاب عبد الله الشرهان مساعدا للفاخوري رئيس المهندسين وعين المهندس مصطفى الشاطر المصري الجنسية مسؤولا عن الشبكات. ويذكر أن الشرهان هو صاحب فكرة “النادي العلمي” في الكويت

المؤلف مع رئيس المهندسين الدكتور زكي أبو عيد (وهو فلسطيني منح الجنسية الكويتية لكفاءته)
المؤلف مع رئيس المهندسين الدكتور زكي أبو عيد (وهو فلسطيني منح الجنسية الكويتية لكفاءته)

ومن ناحية أخرى أذكر أن معظم مياه الشرب في الكويت هي من المياه المقطرة والتي تنتجها محطات القوى الكهربائية وتقطير المياه والتي تديرها وتشرف عليها الأقسام الكهربائية وهذه المحطات تشغل بالغاز الذي يصلها عبر شبكة خطوط الغاز الممتدة من حقول النفط إلى تلك المحطات ويشرف على تشغيل وصيانة تلك الخطوط قسم المياه والغاز الآنف الإشارة إليه. هذا وعندما أصبحت ادارة الكهرباء بحاجة إلى المزيد من المهندسين والفنيين كان لزاما عليها أن تحضرهم من الخارج لعدم توفر عمالة فنية في السوق الكويتي آنذاك.!

وقد رافقت نائب رئيس المهندسين الدكتور على الساعي في رحلته عام 1960 إلى كل من لبنان والأردن ومصر حيث قمنا بالتعاقد مع عدد من المهندسين والفنيين اللازمين لمختلف أجهزة ادارة الكهرباء. كما انتدبتني الوزارة للسفر إلى الهند والباكستان لهذا الغرض في عام 1962. وكان هدفنا الرئيسي إحضار مهندسين وفنيين لمصانع الملح والكلورين والتي تم إنشاؤها لسد حاجة الوزارة والسوق المحلي من مادة الكلورين اللازمة في محطات التقطير وغيرها.

وقد رافقني في تلك الرحلة مهندس مصري اسمه السيد غالب وقمنا معا بزيارة مدينة كراتشي وكذلك مدن الهند الكبرى بومباي (مومباي) ودلهي ومدراس وكالكوتا ثم كيرالا وتعاقدنا هناك مع أعداد كبيرة من الفنيين الهنود.

هذا وقد استمررت في عملي في وزارة الكهرباء والماء حتى آخر عام 64 عندما توليت منصب مدير مكتب منظمة التحرير الفلسصينية في الكويت وبعد أن تركت هذا المنصب في عام 69 عدت للعمل في الوزارة كما سأبين فيما بعد.

انشاء ادارة الإسكان

وبموجب عقدي مع ادارة الكهرباء العامة خصصت لي ادارة الإسكان سكنا مناسبا في عمارات الشيخ جابر العلي الجديدة في ضاحية النقرة المجاورة لضاحية حولي والتي بدأ التوسع العمراني فيها اعتبارا من أواخر الخمسينات. وفي ذلك المنزل رزقت بابنتي الثانية “لبنى” في ديسمبر 1959 كما رزقت بابني الثالث “سامر” في يناير 1962.

وكانت ادارة الاسكان هذه أنشئت عام 1954 لاسكان كبار موظفي الدولة المتعاقدين مع حكومة الكويت. وكان يقوم بذلك العمل قبل ذلك قسم في دائرة الأشغال العامة. وقد ترأس ادارة الاسكان منذ تأسيسها عبد العزيز البحر وخلفه علي المتروك وكان الصديق خليل دهمش معاونا لكل منهما منذ البداية … وكان دهمش قد انتقل من دائرة المعارف للعمل في تلك الادارة نظرا لأن رواتب الموظفين في الكويت كانت أعلى من رواتب زملائهم المدرسين!!

وكانت تلك الادارة تتولى اسكان كبار الموظفين المتزوجين والعزاب في البيوت التي تملكها الدولة والكائنة في الشويخ الشمالي والشويخ الجنوبي ومخيم الصلبيخات في الأحمدي وأماكن أخرى. واضطرت تلك الادارة فيما بعد إلى استئجار بيوت جديدة من المواطنين لاسكان الموظفين المتزايدين من اداريين وفنيين … ولكن الحكومة قررت في عام 1963 عدم اسكان الموظفين الاداريين لهذا استأجرت “على حسابي” بيتا من بيوت الشيخ جابر العلي في النقرة واستمررنا نسكن ذلك البيت حتى عام 74 عندما هدم الشيخ جابر تلك البيوت وأقام مكانها مجمعي النقرة الشمالي والجنوبي. وفي تلك السنة انتقلت للسكن في منطقة بنيد القار واستمررت أسكن هناك إلى عام 1986 حيث انتقلت إلى سكني الخاص في منطقة سلوى وذلك بعد حصولي على الجنسية الكويتية في عام 85. وكنت قد اشتريت في صيف ذلك العام “قسيمة” أرض وكان سعرها رخيصا نسبيا نتيجة لأزمة سوق المناخ. وقد منحنى بنك الإسكان والذي كان يسمى في السابق بنك التسليف والادخار قرضا لبناء منزلي يسدد على أقساط شهرية خلال 30 سنة وكانت قيمة القرض 54 الف دينار كويتي.

وبعد تحرير الكويت في عام 91 أمر سمو الأمير الشيخ جابر الأحمد الجابر باعفاء كل المواطنين الكويتيين من تسديد ما عليهم من قروض تقديرا منه لظروف المواطنين الصعبة التي نتجت من الغزو العراقي الغاشم.

وهكذا أعفيت من تسديد باقي الأقساط التي كانت مترتبة علي!! وفيما بعد زادت الدولة قيمة القرض المعطى للمواطنين وأصبح الآن 70 الف دينار!!

الباب السابع – إعلان استقلال الكويت وصدور الدستور